|
ذوو الاحتياجات الخاصة: نريد حقوقنا كاملة
لوّحوا بقدرتهم على الوصول إلى المحكمة الدستورية
كانت الشمس تلملم بقايا أشعتها الحمراء مستعدة للرحيل،
بينما جلس خالد قرب شرفة النافذة يراقب لحظات الغروب،
مختليا بنفسه وحزنه ومعاناته.. ترقرقت الدموع في عينيه
وهما محدقتان صوب السماء، وكأنه يطلب منها شيئا من الأمل
والقوة ليواجه هموم الحياة ومتاعبها، ويريد قليلا من الحظ
ليحصل على الوظيفة التي طالما حلم بها وعمل جاهدا من
أجلها.. مرت سنوات طويلة تحدى فيها مشكلته بمواصلة
تعليمه.. أعاد النظرة إلى أوراق معاملته التي حفظها في
مكان خاص داخل أحد أدراجه، ففي كل مرة يقدمها في إحدى
الدوائر والمؤسسات الحكومية، يأتيه الجواب بالرفض.. بحجة
«إعاقته» التي تمنعه من أداء واجبات الوظيفة.
كم كره عبارة «غير لائق»، فخالد البالغ من العمر 27 عاما
يتمتع بمستوى تعليمي وثقافي عال جدا، وبشهادة كل من حوله،
فلماذا لا يعطى فرصة للعيش كما يحلم، هل فقط لأنه من ذوي
الاحتياجات الخاصة؟ من حقه أن يعيش كباقي الناس، يعيش
بكرامته وعرق جبينه، فالكويت بلد احتضن القاصي والداني،
أليس له مكان، وهو المواطن الذي لا يعرف وطنا غير بلده؟
فهل تشرق الشمس غدا بأمل جديد؟ معاناة خالد واحدة من آلاف
الحالات التي يمر بها ذوو الاحتياجات الخاصة في الكويت من
اختلاف التعليم والدمج والحصول على وظائف، إلا أن بارقة
أمل بدأت تشرق على ليل القوانين العتيقة لتمنح حقا كان
وسيظل مشروعا.
يصل عدد ذوي الاحتياجات الخاصة في الكويت إلى ما يزيد على
25 ألفا من مختلف أنواع الإعاقات، سواء الحركية أو
الذهنية، وتعد قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة في الكويت من
أكثر الملفات الساخنة والشائكة التي يتم طرحها بشكل دائم،
وإن تفاوتت كمية الجدل المثارة حولها من وقت لآخر، وربما
كان من أكثرها سخونة، ما تم الكشف عنه مؤخرا من وجود تلاعب
المجلس الأعلى للمعاقين، ما فتح الباب أمام الانتقادات
والإشاعات الواسعة التي لم تنته إلا بفتح تحقيق شامل
للوقوف على تداعيات الاتهامات الموجهة لبعض العاملين في
المجلس.
يترقب المجتمع الكويتي وخاصة ذوي الاحتياجات الخاصة من
أبناء الوطن صدور القانون الجديد المقرر إعلانه في الثالث
من ديسمبر القادم. فيما عمّت الاحتفالات باليوم الوطني
للتضامن مع ذوي الاحتياجات الخاصة، والذي شهد نشاطا كبيرا
لجهود الأهالي والجمعيات والمهتمين بقضاياهم، والمطالبين
بتحسين أوضاعهم، تضامنا مع تغيير قانون ذوي الاحتياجات
الخاصة، والتخلص من سلبيات القانون القائم التي اعتبرت
إهدارا لحقوقهم لسنوات طويلة، عانت خلالها شريحة كبيرة
منهم.
ويهدف القانون المقترح إلى دمجهم في المجتمع، ويقصد به
تقديم مختلف أنواع الخدمات والرعاية لهم في بيئة الأفراد
العاديين، ويؤكد الدمج عدم عزلهم في مؤسسات خاصة بعيدا عن
المجتمع تحت وطأة ما يعانونه.
قانون شامل
يقول رئيس لجنة شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة في مجلس الأمة
مسلم البراك:
«فعالية القانون تنبع من مشاركة أكثر من جهة من العاملين
والمهتمين وممثلي ذوي الاحتياجات الخاصة في إعداده، لذا
فهو يتمتع برؤية كاملة، وحصر شامل لجميع مطالبهم». وأضاف:
«لدينا القدرة على الاستماع والاستيعاب لكل الآراء ولتقبّل
النقد، فالمهم لنا هو أن نؤدي رسالتنا في خدمة أبناء
الوطن»، مشيرا إلى الدعم الكبير الذي تحظى به قضية ذوي
الاحتياجات الخاصة في الكويت، ومساندة المجلس والحكومة
لها، قائلا: «القانون الجديد سيضمن حلولا فعالة ترضي
طموحات وتوقعات الجميع، وتكفل الحقوق الكاملة لذوي
الاحتياجات الخاصة»، وأردف: سنعمل بكل جهد لدعم القانون من
خلال تجنيد الحملات الشعبية والإعلامية.
وعبّر البراك عن تفاؤله الشديد بالقانون،
مشيرا إلى أن الوقت المتاح لنشره ومناقشته شعبيا أعطى
الفرصة كاملة لذوي الاحتياجات الخاصة لتحديد مطالبهم، ووضع
التعديلات اللازمة.
ولفت البراك إلى أنه في حال إقرار القانون لا يمكن تعديله
إلا بعد مرور ثلاثين عاما،
لذا شدد على ضرورة مشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة وممثليهم
في طرح الرؤى والأفكار والمشاكل، حتى يتم ضمها إلى القانون
قبل العرض على المجلس، وقد تم تحديد الثالث من ديسمبر
القادم لجلسة مناقشة القانون.
مشاركة شعبية
يذكر أن عدداً من ممثلي الجمعيات العاملة في هذا المجال
والمهتمين والمتخصصين شاركوا في إعداد مسودة القانون
المعلن، كخطوة اتخذتها لجنة ذوي الاحتياجات الخاصة في مجلس
الأمة، للقضاء على السلبيات والعيوب التي تشوب القانون
الحالي، والاطلاع على آراء وأفكار واحتياجات ذوي
الاحتياجات الخاصة، ومن يمثلهم حتى يرى النور بصورة تقدم
حلولا شافية وافية لقضاياهم، من إسكان وتعليم وتوظيف
وغيرها.. وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اشتراك
أكثر من جهة وجمعية أهلية في إقرار قانون ما، وهو ما يعكس
رغبة حقيقية واتجاها تسلكه الحكومة ومجلس الأمة للنهوض
بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة بعد الانتقادات الواسعة
التي تعرّض لها قانون 1994 الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة،
وما تمت إثارته من تجاوز وتلاعب في المجلس الأعلى لشؤون
المعاقين في الفترة الماضية.
من جانبها، تؤكد رحاب بورسلي رئيسة جمعية أولياء أمور ذوي
الاحتياجات الخاصة
أن «مشاركة عدد من الجهات العاملة في هذا المجال، من داخل
القضية نفسها، ستعطي القانون القوة والقدرة المطلوبة على
التغيير»، لاحتوائه على تعديلات شملت كثيرا من مواد
القانون، وأعطت الحق للفرد منهم بأن يحيا حياة لائقة
كمواطن كويتي لا يختلف عن بقية المواطنين، مضيفة أن الأمر
الآن أصبح في يد المجلس، ونتمنى من الجميع العمل على حماية
ودعم أبنائنا ذوي الاحتياجات الخاصة، وتقدير حجم مشاكلهم
الحقيقية.
ورغم مساهمة الجهات السابقة في وضع مواد القانون إلا أن
الانتقادات بدأت تلاحقه، وهو ما دفع النائب مسلم البراك
إلى المطالبة بمراجعة القانون أكثر من مرة، خلال لقاء نظمه
النادي الرياضي لذوي الاحتياجات الخاصة، وقراءته جيدا وعدم
التسرع في إصدار الأحكام.
المساواة
تأتي قضية التعليم على رأس قائمة مشاكل ذوي الاحتياجات
الخاصة ومطالبهم، والتي تمر بأزمات تعليمية متلاحقة تخلق
الكثير من العقبات أمام أي محاولات دمج ممكنة من وجهة نظر
العاملين في المجال، في هذا السياق صرحت بورسلي بأن وزارة
التربية استغنت عن دورها وتنازلت للشؤون عنه، رغم أن
مسؤولية التعليم في كل بلدان العالم تقوم بها وزارة
التربية والتعليم، مهما اختلفت أشكاله ومستوياته.
في حين أضاف رئيس اللجان العاملة في مجال الإعاقة علي
الثويني
قائلا: «اهتمام البعض بالمنصب والمكانة أتى على حقوق ذوي
الاحتياجات الخاصة التعليمية». ونحتاج إلى فزعة حقيقية لحل
القضية ومعاقبة المسؤولين عن تفاقمها.
وتساءل الثويني:
لماذا لا توجد إدارة تعليمية خاصة تحوَّل إليها إدارة
مدارس التربية الخاصة، وتتبع لوزيرة التربية بشكل مباشر؟
مطالبا بالمساواة بين الجميع في تطبيق القانون والتخلي عن
الوساطة والتحيز. واعتبر الثويني أن قصور القانون جريمة في
حق ذي الاحتياجات الخاصة واستمرارا لعزلته وسجنه.
إعادة صياغة
يحتوي القانون المقترح على عدد من المواد يراها البعض غير
فعالة، ولا تمحو أي سلبيات للقانون الحالي، إنما تعمل على
تنامي أزمة ذوي الاحتياجات الخاصة الكويتيين، حيث وصفها
رئيس الجمعية الكويتية لذوي الاحتياجات الخاصة عايد الشمري
بالمبهمة وغير الواضحة، معتبرا أنها إعادة صياغة لقانون 94
نتيجة للسلبيات التي تشملها أكثر من مادة، على حد تعبيره،
مؤكدا أنها تعزز من مشاكل ذوي الاحتياجات الخاصة، وتسلب
حقوقهم إذا لم يتم العمل على التخلص من عيوبها.
وأضاف قائلا: «لقد قامت الجمعية بتشكيل لجنة ضمت متخصصين
في كافة المجالات، منها القانونية والتشريعية والطبية
وغيرها، للاطلاع على مواد القانون المعدل وتقييمها»، وخرجت
بعدد من الملاحظات؛ أهمها ما ورد في المادة 44، والتي
أطلقت يد المجلس الأعلى في تقرير المخصصات كيفما يشاء وتحت
غطاء القانون، وكذلك فتح المجال أمام رفض تعيين المرشحين
من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تركت تحديد المهن والوظائف
المخصصة لهم تبعا لرؤية رب العمل. واختتم قائلا: لن نقبل
بديلا عن حقوق كاملة بلا قيود لذوي الاحتياجات الخاصة،
ولدينا القدرة على الوصول لأبعد مدى حتى المحكمة الدستورية
لإقرار حقوقهم.
مطالب
مطالبة أم لأطفال شديدي الإعاقة بضرورة التصنيف والتفريق
بين درجات الإعاقة، وخاصة أنها تعمل وتجد صعوبة بالغة في
متابعة شؤونهم، والتمست الأم مراعاة هذه الحالات وزيادة
مخصصاتها، واحتواء نصوص القانون على مواد تخدمهم وتخفف من
معاناتهم. وعبّرت إحدى الفتيات عن حزنها الشديد لعدم
قدرتها على إكمال الدراسة نتيجة للشروط المجحفة التي تضعها
المؤسسات التعليمية أمام ذوي الاحتياجات الخاصة، وزادت
مطالبات امرأتين أخريين بالإعفاء من البصمة وتهيئة المباني
لتلائم احتياجات هؤلاء، وصرف المخصصات والحصول على سكن
وتخليص المعاملات والبعد عن الواسطة.
مدّعو الإعاقة!
شهدت أعداد ذوي الاحتياجات الخاصة في الكويت زيادة ملحوظة
خلال السنوات القليلة الماضية، حيث أكد مراقبون ومتخصصون
أن الزيادة المتسارعة لهذه الأعداد لا تعكس بالضرورة
أرقاما دقيقة عن حالات الإعاقة الحقيقية، وإنما يمثل جزء
منها ظهور ما يطلق عليهم «مدّعو الإعاقة»، ممن تسول لهم
أنفسهم استغلال هذا الوضع للحصول على المميزات والمخصصات
المادية وغيرها، والتي تمنحها الدولة لذوي الاحتياجات
الخاصة.
وللأسف لا تستطيع لجان التحقيق كشف الكثير منهم، مما ينعكس
سلبا على حقوق ذي الاحتياجات الخاصة المستحق لهذه الخدمات،
أليس الأحرى والأهم أن تعالج مثل هذه القضايا حتى لا تتوجه
عيون الطامعين إلى مميزات قوانين أخرى؟ تعتبر هذه
السلوكيات الغريبة على مجتمعاتنا والبعيدة عن أي أخلاق
إنسانية إحدى المآسي التي يتعرض لها ذوو الاحتياجات
الخاصة. فلا يمكننا أن ننكر وجود مثل تلك الممارسات والطرق
اللا إنسانية لاستغلال هذه الحالات بأشكال مختلفة، في صورة
اعتداءات جسدية أو معنوية أو مادية أو إهمال للرعاية
الصحية والاجتماعية، والتأهيل سواء داخل محيط الأسرة أو
المجتمع.
اللافت والمثير للدهشة أن مثل هذه المعاناة التي يتعرض لها
ذوو الاحتياجات الخاصة لم تتصدر المناقشات والمطالبات
لكثير من الندوات والحوارات، وتم تناسيها وتجاهلها أو
المرور عليها مرور الكرام، مقارنة بمناقشات المسائل
المادية المتعلقة بالمخصصات والمنح، وكذلك السكن والتوظيف
والتعليم، حيث لا يهدأ الحديث عنها ليلا ونهارا. رغم أنها
تعتبر من الأسباب الرئيسية لمشكلة ذوي الاحتياجات الخاصة.
فتشير الدراسات والأبحاث إلى أن مفهوم تأهيل ذوي
الاحتياجات الخاصة يتلخص المعنى الحقيقي له في مساعدتهم
وتدربيهم على استبدال النقص أو القصور الذي يعانونه بتنمية
مهارات أخرى، سواء الحركية أو الذهنية، حتى يستطيعوا
مجاراة الأصحاء في التغلب على تحديات ومصاعب الحياة، لكن
يبدو أن هذا المفهوم لم يصل إلى البعض، فاعتقد أن الإعاقة
تعني حرمان الإنسان من حق الحياة الطبيعية، ويجب تعويضه
ماديا بدلا من اكتشاف قدراته وتأهيله لتحمّل المسؤولية
والمشاركة في بناء مجتمعه، ألا يحق له أن يبني أسرة ويتعلم
ويعمل؟! إذن فكيف ينجح وينجو وحده من اختبارات الحياة
القاسية، إذا لم نعمل على توفير برامج تأهيل عالية الجودة
تدعم مهاراته وقدراته وتعلّمه الاعتماد على نفسه؟
مميزات
المعروف أن الكويت من أوائل الدول التي أقرت حقوق ذوي
الاحتياجات الخاصة، ومنحتهم مخصصات مالية كبيرة مقارنة
بدول خليجية أخرى لها نفس الظروف الاقتصادية للكويت، حيث
تتيح الهوية التي يحملها ذوو الاحتياجات الخاصة الكويتيون
عددا من المميزات؛ منها خصم 50 % لهم، وإضافة مرافق واحد
على تذاكر الخطوط الجوية الكويتية، وتخصيص مكاتب في وزارات
الدولة لتسهيل معاملاتهم، إضافة إلى عدد من الخدمات التي
تقدمها لهم
مؤسسات خاصة.
السبت 14 نوفمبر 2009 |